قهوة لي وقهوة للحائط عجيبة

أكمل المقال
بقلم: عبدالمحسن المشاري

يقول دخلت مقهى في جزيرة البندقية بإيطاليا، وطلبت كوبا من القهوة وقطعة كيك، تنقلت بينهما ما بين مرتشف وقاضم متأملا الهدوء الذي خيم على المكان فلا يقطعه إلا قرع الجرس المعلق على الباب، وهو يعلن عن دخول أحدهم أو خروج إحداهن، ومع وصولي لنصف كوب القهوة دخل احدهم للمكان، وسحب مقعدا بجوار طاولتي، فجاءه الموظف بعد قليل من جلوسه وقال له الزبون: لو سمحت أحضر لي كوبا من القهوة وكوبا آخر على الحائط، اندهشت بكوب قهوة على الحائط، ولم أجد غير الانتظار والترقب للمشهد، وبعد لحظات جاء الموظف وفي يده كوب قهوة واحد فقط، قدمه لجاري ثم أخرج ورقة صغيرة وكتب عليها كوب قهوة وتحرك نحو الحائط، وألصقها عليه، وانصرف تاركا على رأسي صفا من علامات الاستفهام والتعجب من فينسيا إلى المسلفة تحديدا، بعدها بدقائق معدودة دخل 3 أشخاص وكرروا ذات المشهد، بأن طلبوا 3 أكواب قهوة وزادوا عليها بكوبين على الحائط فلم يكن من الموظف الا أن احضر لهم الثلاثة اكواب، ومن ثم ألصق ورقتين على ذات الحائط، بعد أن كتب على كل واحدة عبارة «كوب قهوة».
أحسست وقتها برغبة عارمة في الصراخ بكل أسئلة الاستفسار إلا أني تذكرت أنني في قارة كل من فيها في حاله ولست في بلد تتساوى فيه عبارتا «السلام عليكم» و«ايش الحال» في طرحها على الآخر.

ما هي إلا دقائق حتى دخل زبون آخر رث الملبس إلى حد ما، فجلس بالجوار فأتاه الموظف فقال له الزبون بهدوء كوب قهوة من على الحائط فقط، فذهب الموظف ومن ثم عاد بكوب قهوة ووضعه على طاولة الزبون ثم اتجه صوب الحائط وانتزع إحدى الأوراق الملصقة عليه هنا أعتقد أن الفكرة قد وصلت ويا لدماثة خلق صاحبها، انه التكافل الاجتماعي وبطريقة جدا مهذبة ومحترمة ومفعمة بالذوق، طريقة تضمن لمن ليس لديه ثمن كوب قهوة من الفقراء أن يطلبها دون حرج وبهدوء لا يخدش كبرياءه، ولا يبعثر كرامته وفي الوقت ذاته تعطي للمقتدر فرصة التصدق بثمن كوب قهوة دون التأثر ببؤس نظرات الفقير والمحتاج.

كم من حائط في مطاعمنا ومقاصف مدارسنا في حاجة لتفعيل هذه الفكرة الرائعة ذات الجوهر الإسلامي العتيق والحلة الأوروبية المعاصرة، قصة قصصتها على كل من أعرف فقابلتني نظرات مجتمع طامح للخير والعطاء. هذا ما قاله الأستاذ إياد عبدالحي.

almeshar@hotmail.com

@almeshariq8

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق