جمال سلطان يكتب: حوار هادئ مع رسائل السيسي الخاطئة !

أكمل المقال
ثلاث رسائل وجههم المشير عبد الفتاح السيسي اليوم خلال متابعته لبعض تدريبات الجيش الثاني الميداني ، وأعتقد أن الرسائل الثلاثة ـ حسب ما نقله المتحدث العسكري ـ تكشف عن تصور القوات المسلحة للدولة المصرية وموقعها في الدولة ودور الشعب وفكرة الدولة ودورها ، الرسالة الأولى طالب فيها الشعب بالوقوف وراء القوات المسلحة والشرطة من أجل محاربة الإرهاب ،
والرسالة الثانية : أن القوات المسلحة قدمت التضحيات للحفاظ على تماسك الوطن واستقراره ، والرسالة الثالثة نصها يقول : إن أمن مصر وسلامة شعبها يكمن في قوات مسلحة قوية تبذل الجهد بكل إخلاص وشرف ، هذه هي الرسائل الثلاث ، والحقيقة أن الحديث المتكرر عن تضحيات الجيش وتضحيات الشرطة من أجل الشعب يعطي انطباعا بأن هذا شيء استثنائي في حياة الشعوب أو الدول أو أن الجيوش التي تنفق عليها الدول المختلفة لعشرات السنين كرواتب وتسليح وإعاشة وترفيه ورعاية طبية وتعليمية لأسرهم هو لمجرد التباهي والاحتفالات في المناسبات العامة بضرب الألعاب النارية في الهواء وتبختر المدرعات في الميادين وألعاب الطائرات في سماوات المدن ، وليس من أجل أن يتصدى للخطر إذا تعرضت له البلاد وأن يفتدي وطنه بروحه ودمه ، هذا دوره وهذه وظيفته ويمنحه الشعب راتبه ومميزاته المالية هو وأسرته من أجل تلك الوظيفة ، ولا يوجد جيش يذكر شعبه بواجبه ووظيفته إلا في العالم الثالث ، وربما كانت الجيوش هي التي بحاجة إلى أن تذكرها شعوبها بفضلها عليها ، لأن ما ينفق على الجيوش من مئات المليارات هي في الحقيقة تضحيات باهظة جدا من الشعب خصما من حقه في الرفاه والحياة الكريمة في الصحة والتعليم والعمل والرفاه الاجتماعي وغير ذلك ولقد عاش الشعب المصري حياة بؤس وشقاء وفقر وتخلف وبنية أساسية تورث الهلاك من أجل أن يوفر للجيش ورجاله المال والسلاح والقدرات التي تعينه على أداء وظيفته وقت الخطر ، أي أن الشعب يقتطع من لقمة عيشه من أجل الإنفاق على الضباط والجنود واحتياجاتهم ، فلا الشعب يمن على الجيش بأنه يفعل ذلك ولا يليق بالجيش وقادته أن يمنوا على الشعب بأنهم يضحون من أجله ، هذا دورهم وتلك وظيفتهم وهم يسددون الدين الذي عليهم للشعب لا أكثر ، هذه هي الصورة التي ينبغي أن تكون واضحة ، لأن بقاء الصورة المغلوطة والشائعة ـ مع الأسف ـ لدى قيادات عسكرية بأن "مصر هي هبة الجيش" ، وأن الدولة تعني الجيش ، هي صورة خاطئة ونتائجها تؤدي دائما إلى الصدام بين الشعب والجيش ، أيا كانت صور هذا الصدام وأيا كانت القوى الشعبية التي تصطدم بالجيش . وهذه الصورة المغلوطة أيضا أعتقد أنها ولدت الرسالة الثانية التي تقول أن أمن مصر وسلامة شعبها يكمن في وجود جيش قوي ، والحقيقة أن أمن مصر وسلامة شعبها يكمن في وجود دولة مدنية بمؤسسات ديمقراطية سليمة ومستقرة وشفافة ومعبرة بشكل صحيح وأمين عن الشعب وقواه الحية ، أمن مصر وسلامة شعبها يكمن في وجود العدالة وسيادة القانون والقضاء العادل المستقل الذي يحترمه الناس ويثقون فيه ويبسط السلام الاجتماعي في ربوع البلاد ، أمن مصر وسلامة شعبها يكمن في الحريات العامة التي تفكك احتقانات النفوس وتشعر الإنسان بكرامته في وطنه ، يا سيادة المشير هناك دول مستقرة وآمنة وقوية ولا يوجد لها جيوش أصلا ، أو يوجد بها جيش صغير جدا ورمزي جدا ، في حين توجد دول بها جيوش جرارة وأجهزة أمنية عتيقة في السيطرة والخطر ومع ذلك انتهت شعوبها إلى الخراب ومجتمعاتها إلى الدمار ومستقبلها للضياع ، وهذا لا يعني دعوتنا لتقليص الجيش أو تهميشه أو إضعافه بل العكس ندعو لتقويته ودعمه وحماية وحدته ، ولكن المقصد هو تصحيح الرؤية والصورة في وعي القيادات العسكرية ، أمن مصر وسلامة شعبها يكمنان في احترام جيشها لتطورات المجتمع الحديث ، والالتزام بدوره الوظيفي المحدد دون اغتصاب لسلطة الشعب وقواه المدنية ، فالشعب يجرد نفسه من السلاح لكي ينفرد به الجيش من أجل أداء وظيفته بحماية حدود الدولة والعمل في إطار خدمة القرار السياسي الذي يختاره الشعب وليس من أجل قهر الشعب أو مواجهته بهذا السلاح أو المن عليه بأنه يحميه بهذا السلاح ، وعلى الجيش الخروج السريع من الطرق والمسالك التي تدخله في صراع مع شعبه وقواه الوطنية المختلفة إذا أراد فعلا أن يشارك في أمن وسلامة واستقرار الوطن . أيضا ، مطالبة الشعب بالوقوف وراء الجيش والشرطة في حربها على الإرهاب يخشى أن تكون دعوة لتوريط الشعب في ما يشبه الحرب الأهلية ، إذا لم يكن هناك شراكة شعبية حقيقية في القرار السياسي ، وحتى في توصيف الإرهاب وتحديد معالمه ، وما هو الحد الفاصل بين المعارضة السياسية الشرسة والثورية والجذرية وبين الإرهاب ، فالتصدي للإرهاب الحقيقي لا يحتاج إلى دعوة ، فالأغلبية الساحقة من الشعب ضد الإرهاب لأنها تعاني من خطره وشره وتدفع ضريبة ذلك ، ولكن أن نستخدم فزاعة الإرهاب لتخويف أي قوة سياسية ترفض تغول الشرطة وإهدارها للقانون والدستور وهي تسحق مظاهرات الطلبة أو الثوار من اليسار واليمين أو التيار الإسلامي ، فهذا سيفهم منه أن تلك الدعوة مجرد رغبة في التستر على جرائم دولة بوليسية في حق الإنسان ، ومجرد رغبة في اتخاذ الإرهاب ذريعة لتبرير القمع ، واتخاذ الوطن كله رهينة الخوف من بعبع الإرهاب لكي يرتمي في حضن الدولة الأمنية البوليسية ويتنازل عن حقه الأصيل في الكرامة والحرية والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية ، وهذا كله ربما يلقي بظلال من الشك على كثير من العمليات الإرهابية وحقيقتها وأبعادها ، ويفتح الباب ـ كما هو شائع الآن في الإعلام المحلي والدولي وصفحات التواصل الاجتماعي ـ إلى التشكيك في الروايات الرسمية عن بعض الأحداث الإرهابية ومن يقف وراءها . 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق