الرئيسية حكم الاحتفال بالمولد النبوى

حكم الاحتفال بالمولد النبوى

أكمل المقال







بقلم: عاطف عبد الهادي

الاحتفال في اللغة: جاء في (لسان العرب) لابن منظور عن مادة (ح. ف. ل):

- حَفَل الماء واللبن يحِفل حَفْلاً وحُفُولاً وحَفيِلاً (اجتمع)، والقوم حَفْلاً: اجتمعوا واحتشدوا، والسماء: اشتدَّ مطرُها وجدَّ دفعها، والدمع: كثر، والشيء: جمعه، والوادي بالسيل: جاء بملء جنبيهِ.

واحتفل الماءُ: تجمَّع، والقومُ اجتمعوا، والشيء: انجلى، والطريقُ: بان وظهر، والفرَس: ظهر لفارسهِ، واحتفل فيهِ: بالغ، وبالأمور: أحسن القيام بها، والوادي بالسيل: جاء بملءِ جنبيهِ، وما احتفل بهِ: ما بالى، ورجلٌ ذو حَفْلةٍ: أي مبالغٌ فيما أخذ فيهِ.

وفي (القاموس المحيط)- وجَمْعٌ (حَفْلٌ وحَفيلٌ): كثيرٌ.

وفي (الوسيط)- احْتَفَلَ الشيءُ: اجتمع.. يقال: احتفل القومُ في المكان واحتفل اللبن في الضُّرع/ وظهر واستبانَ.. يقال: احتفل الطريقُ/ والمرأَةُ: تزينتْ/ وبالأمر: عُني به/ وبفلان: أكرمَه واهتم به.

و(الحَفْلَةُ): الزّينَةُ (يقال: هو ذو حفلة) والاحتفال (يقال: أَقام له حفلة استقبال) والمُبالغةُ في الأمر والاهتمامُ به.

ومن هنا فالاحتفال في معناه العام يعني الاجتماع والاحتشاد والاهتمام والاعتناء بالشيء، وفي الإسراء والمعراج يكون الاحتفال معناه الاجتماع والاحتشاد والاهتمام والاعتناء بهذه الذكرى العطرة بذكر الرحلتين وما رأى فيهما النبي محمد من مشاهد ورؤى، وفي الهجرة النبوية يكون الاحتفال معناه الاحتشاد والاجتماع و.. وذكْر أحداث الهجرة وما فيها من دروس وعبر.

وهكذا يكون الاحتفال بمولد النبي الكريم محمد فهو يعني الاجتماع للاهتمام بذكرى مولده فتُذكر الآثار التي جاءت بشأن مولده وما حوته كتب التاريخ والسير من مواقف وأحداث وما فيه من آيات وأحداث، وأن المولد النبوي كان مولد الهدى والنور والحق والخير والصلاح.

والاحتفال على هذا في معناه الحقيقي- سواءٌ في الإسراء والمعراج أو في الهجرة أو المولد- إنما هو احتفالٌ في الحقيقة بالإسلام كمنهج عظيم ودين قويم، وبهذا النبي الكريم الذي أرسله ربه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فنهتم بسنته وهديه وأخلاقه، والقرآن الذي أُرسل به، والاحتفال كذلك يعني العمل على عودة ما كان عليه النبي محمد من مجد وعزة وريادة هو وأمته المسلمة الخاتمة.. يستوي هذا المعنى في كل المناسبات الإسلامية التي تحمل ذكرى من ذكريات النبي العظيم على مدى تاريخ الإسلام.

وينبغي ألا يكون الاحتفال بمولده يومًا واحدًا في العام ولا يومًا واحدًا في الشهر ولا حتى في الأسبوع بل إن الحياة جميعها والوقت كله بل والزمن كله لا يكفي لذكر فضائل النبي محمد وتعاليمه وحقوقه وواجبنا نحوه وسنته وهديه صلى الله عليه وسلم، وإنما كان يوم مولده الثاني عشر من شهر ربيع الأول كرمز فقط لذكرى عظيمة استشعر عظمتها أهل الأرض والسماء؛ حتى تكون انطلاقةً وحركة دفع الهدف منها السير على ما كان عليه الحبيب محمد وفي كل عام يتجدد العهد بيننا وبين النبي الكريم ومنهجه وسنته.

كيف نحتفل به؟!
من هنا فالاحتفال بالمولد النبوي يجب ألا يكون فقط يوم الثاني عشر من ربيع الأول من كل عام هجري، بل يجب أن يقام في كل يوم من كل شهر وفي كل مسجد، لكي يشعر الناس بنور الإسلام ونور الشريعة تدخل في قلوبهم.

كما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه; عن نبي الهدى- صلى الله عليه وسلم- قال: "فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده" قال ابن حجر في فتح الباري (1/80): قوله: "لا يؤمن" أي إيماناً كاملاً.

ويكون الاحتفال الحقيقي بأداء حقوق النبي- صلى الله عليه وسلم- على خير وجه كما يلي:


- تجديد العهد: ويكون ذلك بالإيمان به- صلى الله عليه وسلم- فالإيمان بالرسل من أركان الإيمان، وهو- صلى الله عليه وسلم- رسولٌ من أولئك الرسل بل هو خير الرسل والأنبياء بل هو خير الخلق على الإطلاق، قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُوْلِهِ وَالنُّوْرِ الَّذِيْ أَنْزَلْنَا﴾ (التغابن: 8) وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُوْلِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِيْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوْهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: 158).

وقد أخبر- صلى الله عليه وسلم- بوجوب الإيمان به فقال- صلى الله عليه وسلم-: 

"أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" (متفق عليه)، وهذا يعني التصديق الجازم بأن رسالته ونبوته حقٌّ من عند الله تعالى والعمل بِمقتضى ذلك بالقلب واللسان والجوارح، وإن مَن شكَّ في نبوته أو رسالته أو كذب ما جاء به فهو كافر لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلاً.

- محبته: وهذا يقتضي أن يفوق حبه صلى الله عليه وسلم أي حب وأن يكون تقديره فوق كل تقدير، وأن يكون المال والأهل والولد والنفس في درجة متأخرة عن حبه، قال صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" (رواه البخاري)، وقال صلى الله عليه وسلم لعمر- لما أَخبر بأن الرسول أحبُّ إليه من ماله وولده لكنه ليس أحب إليه من نفسه-: "لا والذي نفسي بيده حتى أكونَ أحبَّ إليك من نفسك"، فقال له عمر: فإنك الآن والله أحب إليَّ من نفسي يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: "الآن يا عمر".. أي الآن حقَّ الإيمانُ.



ومحبته- صلى الله عليه وسلم- تعني إقامة شرعته ونصرة سنته وإيثار ما يحب صلى الله عليه وسلم على ما يحب العبد، والقيام بأمر الدعوة وتبليغها للعالمين، ومحبة أهل بيته وصحابته صلى الله عليه وسلم، وكثرة الصلاة عليه وطاعته.. وليس هذا نافلةً أو تفضُّلاً من المسلم بل هو واجبٌ عليه وفرض.. قال صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى!! قيل يا رسول الله ومن يأبى؟! قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" (رواه البخاري)، وقال الله ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوْهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: 7) وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُوْنِيْ يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوْبَكُمْ وَاللهُ غَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ﴾ (آل عمران: 31).



- اتباعه والاقتداء به: قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيْ رَسُوْلِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالَيْومَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيْرًا﴾ (الأحزاب: 21) أي إن لكم فيه- صلى الله عليه وسلم- قدوةً صالحةً في أفعاله وأقواله، فمن اقتدى وتأسى به- صلى الله عليه وسلم- سلك الطريقَ الموصِّلَ إلى كرامة الله وهو الصراط المستقيم والجنة، ومن ترك الاقتداء به- صلى الله عليه وسلم- قد ضل وهلك وخسر في الدنيا والآخرة.



فليحذر كلٌّ منا مِن مُخالفة أمرِ النبي- صلى الله عليه وسلم- فمَن يُطِع الرسول فقد أطاع الله ومن يعص الرسول فقد عصا الله، وفي مخالفته خروجٌ من الدين وارتدادٌ عنه- عياذًا بالله- وضلالٌ مبينٌ؛ إذ إن النبي محمدًا كان خيرَ من عَبَد الله وخيرَ مَن عاش حياتَه في كنفِ مولاه، وهو خيرُ نموذج لرجل رضي الله عنه وأرضاه.. قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوْهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُوْنَ﴾ (الأعراف: 157) فهو أمرٌ من الله تعالى باتباع نبيه- صلى الله عليه وسلم- لمن أرادَ الهداية ومَن خالف أمرَه فليس له إلا والندامة والحسرة.



- مناصرته صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه: أمرنا الله تعالى بتوقير نبيه- صلى الله عليه وسلم- فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَّنَذِيْرًا* لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُوْلِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوْهُ بُكْرَةً وَّأَصِيْلاً﴾ (الفتح: 8، 9) والتعزير يعني النصرة له صلى الله عليه وسلم، والتوقير يعني التعظيم والإجلال له صلى الله عليه وسلم، وأما التسبيح فهو لله تعالى أي تنزيهه جل وعلا عن الشرك.



وتوقير النبي- صلى الله عليه وسلم- واجبٌ أكيدٌ، ومعنى توقيره- صلى الله عليه وسلم- إجلالُه وتعظيمُه كما ينبغي له ذلك، فيُرفَع من قدره- صلى الله عليه وسلم- حتى لا يساويه ولا يدانيه أحدٌ من الناس، ومع هذا لا يُرفع مقام النبي إلى العبودية فإن ذلك محرمٌ لا يجوز، ومن توقيره صلى الله عليه وسلم أيضًا عدم ذكر اسمه مجردًا، فلا يقال: "محمد"، بل يقال: نبي الله، رسول الله، قال تعالى:﴿لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُوْلِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (النور: 63).



ومن ذلك أيضًا الذبُّ عنه والدفاع عن حرمته- صلى الله عليه وسلم- وردّ الأذى عنه في حياته بالدفاع عنه وبعد موته بالتمسك بسنته وتبليغها للعالمين.



- معرفة سيرة النبي محمد من حركة وسير وجهاد وغزوات: فإن في تعلمها وتعليمها للآخرين أكبر الأثر في نفوس المعلمين والمتعلمين، ولقد كان الصحابة يعلِّمون أولادهم غزوات الرسول كما يعلمونهم السورة من القرآن، وفي دراسة سيرته وغزواته رصيدٌ وخبرة لا تضاهيها خبرةٌ، فقد كان- صلى الله عليه وسلم- أعظم خبير في دنيا الحروب وأعظم إستراتيجي وأعظم سياسي وأعظم اقتصادي وأعظم اجتماعي وأعظم بليغ في كلامه وأسلوبه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق