أخبار عاجلة

قراءة خلف القضبان !


أقر مجلس مقاطعة (كالابريا) في جنوب إيطاليا مؤخراً مشروع قانون يقلّل مدة السجن مقابل عدد الكتب يقرأها السجين سنوياً، في خطوة لإخلاء السجون المكتظة في الدولة، وتشجيع الوعي والثقافة والمعرفة.. وبحسب ما نقلت الصحف فإن قراءة ١٦ كتاباً في العام الواحد ينقص 48 يوماً من مدة الحكم ، أي أن قراءة كتاب واحد يعني خفض ٣ أيام من المدّة المقرّرة للسجين..ويأمل الممثل الثقافي للمقاطعة أن تزيد هذه الخطوة من معدلات القراءة، كما يأمل أن تساهم في الوقت ذاته في خفض الاكتظاظ داخل السجون، وذكر بأن السجناء سيراقبون لضمان عدم التلاعب بهذا القانون وأنه من المتوقّع أن تخفّف المبادرة المستقاة من تجربة برازيلية مشابهة من أعداد السجناء في إيطاليا التي تعتبر سجونها ثاني أكثر السجون الأوروبية اكتظاظاً.!
إن الغربيين يبتكرون أفكارًا مذهلة لتشجيع شعوبهم على القراءة التي تزيد الوعي، وتنمي الإدراك، وتساهم في رقي الحضارة وتَقدم المجتمع .. ولا أعلم متى ننشغل بمثل هذه الأفكار التي تساهم في نهضة الأمة؟ ومتى نؤمن بأن القراءة سبيل أكيد لانتشالنا من وحل التبعية والضعف والضياع.؟! 
وكم سعدت حينما قرأت عن محاولة عربية في تونس أرادت أن تحاكي التجربة الإيطالية لزيادة المعرفة وتنقية الوعي ومكافحة التطرف داخل السجون..حيث منحت كل سجين كتابًا يقرأه وأطلقت حملة على شبكات التواصل الاجتماعي تحت شعار “من حق السجين أن يقرأ” تهدف إلى جمع آلاف الكتب وتوزيعها على كافة السجون التونسية لحث المساجين على المطالعة وتنمية ملكة القراءة، وقد وجدت الدعوة مؤازرة شعبية.. وتحولت إلى حملة وطنية أيدتها منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية، وتم جمع أكثر من 10 آلاف كتاب.
لقد كان هناك مثل حي لنابغة أمريكي استطاعت القراءة خلف القضبان أن تحول مسار حياته وتجعل منه مصلحًا كبيرًا وزعيمًا مرموقًا ..إنه (مالكولم إكس) الذي عاش في الفترة التي تأججت فيها العنصرية الأمريكية ضد السود في أسوأ حالاتها ، فقد كان والده قسيسًا و ناشطًًا سياسيًا لأكبر منظمة للسود..كانت عائلته معذبة منكوبة حيث قتل البيض والده وأربعة من إخوته وأحرقوا منزلهم وعالت أمه سبعة من أخوته وعملت خادمة ولاقت عنتًا كثيرًا بسبب نشاط زوجها وأدخلت المصح العقلي لإصابتها بانهيار عصبي ، وتوزع وإخوته على الملاجيء..وعاش حياة التسكع والجريمة و طرد من المدرسة وعمره 16 سنة.. ودخل السجن عام 1946م.. ويومًا ما يكتب إليه أخوه “فيلبيرت” بأنه اهتدى إلى دين جديد يدعو للفضيلة والسمو الأخلاقي ، ونصحه ألا يدخن ولا يأكل لحم الخنزير، وتمنى لو أنه يهتدي إليه، وهو الأمر الذي لم يتوان مالكولم في قبوله فأعلن إسلامه، وكان في السجن مكتبة ضخمة تحوي عشرة آلاف مجلد قديم ونادر، فتردد عليها ولزمها لينهل من معارفها، فكان يقرأ 15 ساعة في اليوم ، قرأ فيها كثيرًا من الكتب وفي مختلف المجالات .. في الأديان والفلسفة والتاريخ وغير ذلك مما تحمله مكتبة السجن في بطون كتبها، وعندما تُطفأ الأنوار في العاشرة مساء، كان يقرأ على ضوء المصباح الذي في الممر حتى الصباح فقرأ قصة الحضارة وتاريخ العالم.
كان السجن له كما يقولون: (مرحلة اعتكاف علمي، انفتحت فيه بصيرته على عالم جديد) وارتفع من حياة التسكع إلى حياة القراءة و الثقافة وتمتع بمهارة الخطابة، ودعا زملاءه في السجن للإسلام والتمسك بالفضائل ،فاستجاب له الكثيرون، فصدر العفو عنه بعد سبع سنوات من محبسه..! أصبح (مالكولم) من أكبر العلماء والدعاة المسلمين في أمريكا وبطلاً من أبطال السود ورمزًا لمناهضة العنصرية والتسلط الكبير من البيض على السود..كل ذلك بفضل القراءة خلف القضبان التي أهلته لهذه الزعامة والدور الكبير.
إن قصة (مالكولم) مدعاة للإعجاب والتأكيد على دور القراءة في ارتقاء الإنسان وتقويم سلوكه، والسلطة التي تمنع القراءة وتحجبها عن السجناء، إنما هي سلطة جاهلة تحرم الإنسان من أسباب استقامته وسعادته، أو هي مستبدة جائرة تخشى القراءة وتحذر ما تسببه من وعي يضر بسلطانها ويضرب عروشها.! لأنها النور الذي يبدد ظلامها الذي تريده أن يخيم على العقول والقلوب فلا ترى ولا تتحرك لغاية ولا تهتدي للحرية التي هي السعادة الحقيقية للإنسان!
وإذا كان الغرب يرغب في تثقيف المسجونين وتشجيعهم على القراءة حتى يلين سلوكهم وتتهذب مداركهم، فإن سجوننا في بعض فتراتنا وعقودنا المظلمة كانت تحرمها وتجرمها فياويل معتقل أو مسجون يضبط في خبائه كتاب..ولعلي أتذكر ما قرأته عن الصحفي الكبير الأستاذ (جمال بدوي) حينما كان معتقلاً في مطلع شبابه في الحقبة الناصرية المشؤومة، حيث روى أن المعتقلين كانوا ممنوعين من القراءة أو الكتابة ولا يجرؤون على شيء منها إطلاقًا..ومن يضبط لديه أي مكتوب يعاقب بشدة..يقول: رغم أنني لم أكن صحفيًا..فقد كنت طالبًا بالثانوي آنذاك..ودفعني حبي للقراءة أن أبحث عن أي شيء مكتوب حتى ولو على الجدران حتى أقرأه، للدرجة التي جعلتني أجمع قصاصات من الصحف.. كانوا يبيعون لنا فيها أقراص الطعمية داخل المعتقل..و أذكر أنني جمعت كمية كبيرة من هذه القصاصات الملوثة بالزيت والتراب.. وكنت أجمعها فيما يشبه بجريدة صغيرة.. ونظل نتناوبها في القراءة ليلا حتى لا يرانا أحد المسئولين عن السجن.. هذه القصاصات من ورق الصحف كانت تمثل لنا كنز المعرفة.. كنا نعرف منها أشياء كثيرة ومما يثير العجب أنني عرفت بموت الفتان (أنور وجدي) من تجميع هذه القصاصات .. فقد قرأت سطورًا مبتورة لمقال كتبه المرحوم أستاذنا (على أمين).. ينعي فيه الفنان الراحل.. وما زالت كلماته أحفظها حتى هذه اللحظة.. حيث كتب يقول : عاش شبابه كي يشتري المجد.. ثم قال البائع لا يكفي..ثم عاد فلم يجد البائع ولم يجد الدكان..ولا تتخيل كيف كنا نقرأ الجريدة الصغيرة والبسيطة.. فرغم ما بها من زيت ورائحة الطعمية وملوثة بالأتربة إلا أننا كنا ننتظر قدوم الليل ونحاول قراءتها حتى تحت البطانية خوفًا من بطش رجال السجن.”
ولعل الدكتور (نجيب الكيلاني) هو أروع من سجل لمحنة القراءة خلف القضبان ففي مذكراته الآسرة يقول : “كانت ليالي الشتاء باردة طويلة ، وكانت مما في جعبتنا من أحاديث ، وفكرنا أن نستغل هذه الساعات في القراءة ، لكن كيف ؟ إن الزنزانة غارقة في ظلام دامس، ويمنع منعًا باتًا إضاءة أي نوع من النار أو النور داخلها ، واهتدينا إلى حيلة بدائية قررنا تنفيذها رغم المخاطر ، فكمية قليلة من زيت الطعام بها فتيل من القطن أو الخيوط السميكة تستطيع أن توفر لنا شعلة صغيرة تشبه الشمعة ونستطيع أن نقرأ في ضوئها ، وقمنا بتنفيذ المشروع وهو لا يحتاج إلا إلى غطاء علبة ورنيش “طلاء الأحذية” صغيرة نملؤها ببضع سنتيمترات مكعبة من الزيت ثم نشعل الفتيل، ولكي لا يرانا خفر الليل في الفناء الخارجي ، كان لا بد أن نسد النافذة تماماً بعدد من ستراتنا الزرقاء حتى لا يظهر النور، ومع ذلك فقد سمعنا حارث الليل يصرخ في الفناء : اطفي النور يا دور2 ، آه إذن لا فائدة ، إذا تجاهلنا الأوامر ، فإن ذلك سوف يجر علينا التأديب والجلد، لهذا أطفأنا النور واستجبنا للأمر ، وكان رأيي أن يقوم الإخوة المسئولين عنا بالتفاهم مع العسكر حول هذا الموضوع ، ولا بأس من أن ندع لهم مبلغا شهريًا من المال ، حتى يغمضوا أعينهم عن هذه المخالفة ، وقد نجحت الخطة ، واستطعنا بذلك أن نستفيد من الساعات الطويلة المهدورة التي تشكل جزءا من أعمارنا ، وقد اندمجت في هذه الفترة في قراءة تفسير ابن كثير ، وهو من أكثر التفاسير رواجًا بين الاخوان المسلمين في تلك الفترة ، لقد حفظت الكثير من القرآن الكريم ، وكنت أعيد قراءته من وقت لآخر ، هذا حسن ، لكنه لابد أن أركز بعد ذلك في فهم الآيات ومعانيها وأحكامها ، فالقرآن لا شك هو المدرسة الحقيقة للمسلم وهو النصوص التي نريد تطبيقها في واقع الحياة ، ولا يمكن أن يكتسب المؤمن صفة الداعية الحقيقي إلا إذا عرف تفسير القرآن ، فهو المؤهل الأساسي له ، كنت أقرأ التفسير ليلا ونهارًا بنهم وشغف ، وكنت أقلق لمجرد التفكير في أنه ربما تواجهني عقبة أو أصاب بمرض أو أودع الحياة قبل أن أنتهي من التفسير ..! لقد بدا ذلك في هذه الفترة أمرًا بالغ الأهمية أكثر من أي شيء آخر في الحياة والحمد لله فقد استطعت أن أنجز ذلك في حوالي ستة شهور وكنت في غاية السعادة.!”
وهكذا تستطيع القراءة أن تنقل السجين من عالم الكبت والقهر الذي يعيشه إلى عالم آخر يمتليء بالسعادة والأمل والرغبة في العيش لا لكي يخرج إلى دنيا الناس ويتنسم عبير الحرية ..وإنما لكي يستطيع من خلالها أن يكمل قراءة كتاب تهيم به نفسه..! إن ملكة القراءة متفشية في المجتمعات الغربية وهم يريدون للسجناء ألا تفوتهم هذه المتعة الإنسانية والضرورة الحياتية التي تحيي العقول وتنير الأذهان، لأنهم يدركون أن السجن الحقيقي في الحياة حينما يُحرم العقل من نعمة الوعي والتفكير والنضج والبصيرة.! ولعله السجن الكبير الذي يغشى عالمنا العربي والإسلامي وللأسف.

Powered by WPeMatico

عن احمد العبد