مصطفي النجار يكتب: هذا العالم لم يحبنا.. وداعًا ريحانة

أكمل المقال
لقد عشتُ تسع عشرة سنةً في هذا العالم، وفي تلك الليلة المشئومة كان يجب أن أكون أنا القتيلة، كان جسدي سيُلقى في إحدى زوايا المدينة، وبعد أيام كانت الشرطة ستأخذكِ إلى مكتب الطبيب الشرعي؛ لتتعرَّفي على الجثة، وكنتِ ستعرفين حينها أني قد اغتُصبت، لم يكُن أحدٌ ليتوصَّل إلى هوية القاتل؛ لأننا لا نملك أموالهم ولا نفوذهم، عندئذٍ كنتِ ستُكملين بقية حياتكِ في معاناة وعار، وكنتِ ستموتين كمدًا بعد بضع سنين، وكانت القصة ستنتهي.

لكن قصتي، تغيَّرت بضربة دافعت بها عن شرفى، ولم يُلقَ جسدي جانبًا؛ بل أُودع في قبو سجن يشبه القبر، استسلمي للقدر ولا تشتكي، أنتِ تعلمين أكثر مني أن الموت ليس نهاية الحياة، تعلَّمتُ منكِ أن المرء يولد في هذا العالم ليكتسب خبرات ويتعلَّم دروسًا، وأن كل امرئ بما كسب رهينة منذ لحظة مولده، تعلَّمتُ أنه يجب على المرء أحيانًا أن يقاتل، لقد أخبرتِني أن المرء يجب أن يثابر، حتى يُعلي قِيمَه، حتى لو كان جزاؤه الموت.

تعلَّمتُ منكِ، وأنا أخطو إلى المدرسة، أن أتحلَّى بالأخلاق الرفيعة في مواجهة الشجار والشكوى، لم تساعدني مبادئي حين قُدمت إلى المحاكمة، صورونى كامرأةٍ تقتل بدمٍ باردٍ مجرمة، لا تملك ذرة من رحمة، لم تسقط مني ولو دمعة واحدة، لم أتوسل إلى أحد، لم يغمرني البكاء؛ لأني وثقت في القانون، لكني اتُهمت باللامبالاة أمام الجريمة، أترين؟

كم كان متفائلًا من انتظر العدالة من القضاة! لم يلتفت القاضي إلى نعومة يدي، بشكلٍ لا يليق بامرأة رياضية، أو مُلاكِمة بالتحديد، البلد التي زرعتِ فيَّ حبها لم تكن تبادلني الحب، ولم يساعدني أحدٌ وأنا تحت ضربات المُحقق، وأسمع أحط ألفاظ السباب، أمي.. لا تبكِ مما تسمعين، في أول يوم لي في مركز الشرطة آذاني ضابط كبير السن وغير متزوجٍ؛ بسبب أظافري الطويلة المصقولة، عرفتُ حينها أن الجمال ليس من سمات هذا العصر: جمال المظهر، وجمال الأفكار والأمنيات، وجمال الخط، وجمال العيون والنظر، وحتى جمال الصوت العذب، أمي العزيزة تغيَّرت فلسفتي، وأنتِ لستِ مسئولة عن هذا.

لكن وقبل أن أموت، أريد أن أطلب منكِ أمرًا يجب عليكِ تلبيته بكل ما تستطيعين من قوة، لا أريد أن أتعفَّن تحت الثرى، لا أريد لعينيَّ أو لقلبي الشاب أن يتحوَّل إلى تراب، توسَّلي لهم ليعطوا قلبي وكليتي وعيني وعظمي، وكل ما يمكن زرعه في جسدٍ آخر، هديةً إلى شخصٍ يحتاج إليهم، بمجرد إعدامي.

لا أريدُ لهذا الشخص أن يعرف اسمي، أو يشتري لي باقة من الزهور، ولا حتى أن يدعو لي. أقول لكِ من أعماق قلبي، إني لا أريد أن أوضع في قبر تزورينه، وتبكين عنده وتعانين، لا أريدكِ أن تلبسي ثوب الحداد، اتركيني لتبعثرني الريح.

لم يحبنا العالم، ولم يتركني لقدري، أنا أستسلم الآن وأقابل الموت بصدرٍ رحب. أمام محكمة الله سأوجه الاتهام إلى المفتشين وإلى قضاة المحكمة العليا، الذين ضربوني وأنا مستيقظة، ولم يتورَّعوا عن التحرش بي، أمام الخالق سأوجه الاتهام إلى كُل من ظلمني، أو انتهك حقوقي، سواءً عن جهلٍ أو كذب.

أمى العزيزة، في الآخرة سنوجِّه نحن الاتهام، وسيكونون هم مُتهمين، دعينا ننتظر إرادة الله، أردتُ أن أضمكِ حتى أموت. أحبكِ.. انتهى.

كانت هذه أجزاء من الرسالة الأخيرة المنسوبة للفتاة الإيرانية (ريحانة جبارى)، التي تم إعدامها قبل عدة أيام، بعد اتهامها بقتل رجل استخبارات إيراني، بينما قالت أنها طعنته دفاعًا عن شرفها، حين حاول اغتصابها، مهندسة الديكور الشابة، لم تنجح كل الحملات الحقوقية الرافضة لإعدامها لوقف تنفيذ الحكم؛ الذي قال البعض أنه بسبب كون القتيل يعمل بالمخابرات الإيرانية. وبرره البعض بأنها سنية، وإن لم يتأكد هذا الافتراض الأخير، لكن المفارقة المبكية، أن جسد ريحانة حين تدلى بعد إعدامها، كانت في نفس الوقت في بقعة أخرى من الأرض، وتحديدًا في مصر، قلوبٌ تحترق وصرخات تتصاعد، والسجانون يقتادون تلك الزهرات الجميلة (يارا سلام، وسناء سيف، وسلوى محرز، وحنان مصطفى، وسمر إبراهيم، ورانيا الشيخ، ورفاقهم من بقية الشباب والفتيات) إلى السجن مرة أخرى، ولكنه سجن مختلف؛ لأنه يأتي عقب حكم بسجن هؤلاء الزهرات، ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ ومراقبة 3 سنوات أخرى، (توقيع ليلي يوميًا يتم بقسم الشرطة القريب من منزل المتهم، ويتم استخدامه غالبًا ضد المجرمين عتاة الإجرام؛ لضمان سلوكهم عقب انتهاء فترة العقوبة بالسجن).

ربما صرخت يارا وسناء بكثير مما صرخت به (ريحانة)، وهي ترثي العدالة التي لم تتحقق لها، ربما شعرن بما شعرت به وهي تقول لأمها: (لقد علمتني أن أثابر من أجل إعلاء القيم، ولو كان الجزاء الموت)، وهؤلاء الفتيات ثابرن وتحدين الاستبداد بسلميةٍ ورقيّ، حين طالبن بالحرية للمعتقلين السياسيين، ورفضن قانون التظاهر المعيب، فكانت هذه جريمتهن التى كان عقابها عقابًا لم ينله من قتلوا مئات المتظاهرين، ولا من حرقوا (شريف صيام) والعشرات فى سيارة ترحيلات “أبو زعبل”، ولا حتى من سرقوا قوت المصريين على مدار 30 عامًا، ولا عجب حين تصبح المطالبة بالحرية ورفع الظلم جريمة تستحق العقاب!

تقول (ريحانة): كم كان متفائلًا من انتظر العدالة من القضاة ؟ وأين ينتظرها إن فقدت طريقها وضلت وجهتها وتلبستها الأهواء والرغبات؟ إن القهر الذى يكسر المرء ليس قهر الاستبداد، ولكنه قهر الشعور بغياب العدالة، وتسييس القانون، وصدق من قال: القانون الذي لا يطبق على الجميع ويستثنى منه أحدًا يجب أن لا يُحترم!

رحلت ريحانة، ولكن بقيت قصتها لعنة تطارد كل من ظلمها وتلطخ وجهه ويديه، رحلت ريحانة، وسُجنت يارا وسناء؛ لأن الاستبداد قبح لا يحب الجمال، وما أجمل من هذه الزهرات التى تنثر على الوطن عطر الحرية والكرامة، وإنصاف المظلوم، يدور الزمان وتتبدل الأيام، لكن القبح لا يصبح جمالًا، والجمال لا يتحول قبحًا.

يا ريحانة، يا يارا، يا سناء، هذا العالم يحبكنّ، وكل حر فيه يحيا شجاعتكنّ وثباتكنّ، لستنّ الأسرى؛ بل هم الأسرى، لستن المتهمات؛ بل هم، وكما قالت (ريحانة): دعونا ننتظر إرادة الله!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق