فهمي هويدي يكتب : لأنهم ضعفاء وفقراء

أكمل المقال
رغم ان تحرير القاهرة من جيوش الباعة الجائلين يعد انجازا مهما خلَّص أهل العاصمة من هم ثقيل شوه المدينة وكدَّر فضاءها.
 إلا أنني وجدت أن العملية لها أكثر من وجه.
فهي تعد نموذجا للمشكلات التي تحل بالقوة وليس بالعقل وبالإجراءات الأمنية وليس بالدراسة المتأنية والمعمقة.
ومما له دلالته ورمزيته في هذا الصدد ان المواقع التي تم اخلاؤها من الباعة الجائلين احتلتها عربات الشرطة ومدرعات الجيش.

وإذ أفهم أن وجود الشرطة والجيش مؤقت، والهدف منه الحيلولة دون عودة أولئك الباعة مرة أخرى إلى شوارع وأرصفة قلب المدينة،
إلا أن ذلك يعني أن الإجراء الذي اتخذ لا يمثل حلا للمشكلة، ولكنه بمثابة «انسحاب تكتيكي» للباعة الجائلين أو «إعادة انتشار» مؤقت لمجموعاتهم كما يقال في مصطلحات العراك الدائرة.

من ناحية ثانية، فإنني أصدق أن الهدف من العملية كان إزالة المخالفات البلدية وإعادة الانضباط إلى العاصمة،
 إلا أنني لست واثقا من أن تحقيق ذلك الهدف الذي لا يجادل فيه أحد يسري بحق كل المخالفين والمتفلتين الذين يعتدون على القانون ويشوهون العمران في العاصمة.

قبل أن أدلل على ما قلت فإنني أرجو ألا يفهم أحد أنني أعارض الإجراء الذي تم،
وأذكر الجميع بأنني سبق أن أعربت أكثر من مرة عن الضيق والألم لما آل إليه حال القاهرة، التي قلت ذات مرة انها لم تعد مدينتي التي عشت فيها ثلاثة أرباع القرن.

 مع ذلك فإنني لا أخفي تعاطفا مع الباعة الجائلين باعتبار أغلبهم على الأقل من الغلابة الذين أضيروا وقطعت أرزاقهم بسبب حملة إجلائهم.

وتمنيت أن تعالج المشكلة من جذورها بحيث لا يضطر كل عاطل إلى القدوم إلى القاهرة لكي يجد فيها عملا،

 ثم انني لا أخفي استياء من التعامل الانتقائي مع المخالفين للقانون وللوائح البلديات، بحيث تستأسد السلطة على الفقراء والغلابة مكسوري الجناح، في حين تغض الطرف عن مخالفات الأثرياء والوجهاء.
وتتعامل مع الفقراء باعتبارهم أبناء البطة السوداء ثم تتصاغر وتغرق في الحياء والخجل إذا ما تعلق الأمر بالأكابر من أبناء البطة البيضاء.

تمنيت أن تسبق الإجلاء مثلا دراسة لأسباب تكدس الباعة الجائلين في القاهرة وتحول العاصمة إلى منطقة جذب لكل باحث عن عمل في الوقت الذي أصبحت فيه معظم محافظات الدلتا والصعيد إلى بؤر للطرد المستمر.
تمنيت أن تجرى دراسة أخرى حول دور الشرطة. رجال البلديات في تعقيد العملية، لأنني سمعت من يقول إن هؤلاء الباعة توافدوا إلى قلب القاهرة حين انسحبت الشرطة،
ولاحقا أصبحوا يدفعون اتاوات شهرية لرجال الشرطة لكي يستمروا في مواقعهم.
كما قيل لي ان بعض أولئك الباعة كانوا يعملون لحساب أجهزة الأمن،
وكان لهم دورهم في إفشال مظاهرات وسط البلد وفي ملاحقة بعض المتظاهرين وتسليمهم للشرطة.

بكلام آخر فإنني تمنيت أن تسبق الإجلاء دراسة للأسباب التي أدت إلى استشراء الظاهرة وانتشارها في العاصمة. بحيث لا يكون السؤال فقط كيف يمكن إجلاؤهم وتسكينهم للتخلص من الصداع الذي سببوه للجميع،
ولكن يجب أن يتم التساؤل أيضا عن الأسباب التي دفعتهم إلى القدوم إلى القاهرة والتمركز في قلبها.

جدير بالذكر أن مثل هذه الدراسة لا تساعد فقط على حل المشكلة من المنبع، ولو بعد عدة سنوات،
ولكنها أيضا قد تستدعي إلى طاولة البحث ظاهرة تخلف التنمية في بعض المحافظات المصرية، وهو السبب الرئيسي لتحولها إلى محافظات طارد للسكان.

للأسف فإن تلك الدراسة المسبقة لم تتم، فيما هو معلن على الأقل، وكانت النتيجة اننا استبدلنا أزمة بأزمة أخرى، وأننا «نظفنا» قلب القاهرة من الباعة الجائلين، لكننا قطعنا أرزاق كثيرين، وملأناهم نقمة وسخطا وغضبا، لا أعرف كيف سيعبرون عنه، ولكنه لا يشعرنا بالتفاؤل والاطمئنان على أي حال.

حزم السلطة الذي بدا مع الباعة الجائلين وغيرهم من الغلابة الذين يحصلون بالكاد على لقمة العيش، لا نراه بهذه الشدة حين يتعلق الأمر بالوجهاء والأثرياء، الذين يملكون النفوذ والفلوس ويسيرون محاطين بالحراس ومؤمنين بالمحامين.

 الحي الذي أسكن فيه بالقاهرة منذ عشرين عاما نموذج يشهد بما أقول.
ذلك انه شهد خلال السنوات الخمس الأخيرة انقلابا عمرانيا ملأ الحي بالمقاهي والمطاعم الفاخرة. التي انتشرت كالفطر بالمخالفة للقانون.
وهذه تقدم للزبون ما يريد من مشروبات ومأكولات ومخدرات.

وبعدما كان سكان الحي يعيشون في دَعَة وهدوء، فإن تلك المقاهي أصبحت تملأ فضاءه بضجيج التليفزيونات حتى الفجر.
 ثم ان ارتفاعات المباني لم تعد تحكمها قاعدة، وانما صارت تقام تبعا لارتفاع مقام المالك ومؤشر أرصدته البنكية.

 ولم يعد نفوذ الأثرياء مقصورا على مخالفات البناء، وانما جرأتهم امتدت إلى الشوارع التي امتلأت بالإعلانات الصارخة والصاخبة،

ومنهم من ألغي الرصيف وضمه إلى مملكته،
ومنهم من تمدد في الشارع واحتل نصفه لزبائنه.

وفي أجواء الانقلاب الذي أصبح فيه الحي ساحة للتنافس على انتهاك القانون والعدوان على حقوق السكان،
فإن البلدية حين تظهر فإنها تدير ظهرها وتغمض أعينها عن مهرجان المخالفات المنصوب،
ولا يستوقفها إلا بائعة خضار تبيع الفجل والجرجير على الرصيف،
 أو بائع سريح احتمى بمظلة ليزود عمال البناء بحاجاتهم من الفول والشاي والمعسِّل.

وفي دقائق يطاح بقفص الجريد الذي يتكوم عليه الفجل والجرجير، وتحمل عربة الفول إلى مؤخرة عربة البلدية بعد ان يسيل ما فيها على أرضية الشارع.

إزاء هذه المفارقة فإنه يصح ان نصارح أنفسنا بالسؤال التالي:
هل تم إجلاء الباعة الجائلين من قلب القاهرة لأنهم خالفوا القانون حقا،
أم لأنهم في الأصل ضعفاء وفقراء لا أحد يسمع صوتا لهم ولا أحد يكفكف لهم دمعا؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق